فخر الدين الرازي
122
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
الأول : لو كان الأمر كما قاله الفراء لما صح أن يقال اللهم افعل كذا إلا بحرف العطف . لأن التقدير يا اللّه أمنا وافعل كذا . ولما لم نجد أحدا يذكر هذا الحرف العاطف علمنا فساد قول الفراء وجوابه : أن قولنا يا اللّه معناه يا اللّه أقصد . فلئن قال بعده واغفر لكان المعطوف مغاير للمعطوف عليه وحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما قوله أمنا والآخر اغفر لنا ، أما إذا حذفنا العاطف صار قوله اغفر تفسيرا لقولنا أمنا فكان المطلوب في الحالين شيئا واحدا . فكان آكد . الحجة الثانية : وهي حجة الزجاج قال : لو كان الأمر كما قال الفراء لجاز أن يتكلم به على أصله فيقال : اللّه أم كما يقال ويلمه . ثم يتكلم به على الأصل فيقال : ويل أمه . وجوابه : أن أصل هذه الكلمة أن يقال يا اللّه أمنا . ومن الّذي ينكر جواز التكلم بذلك . وأيضا فكثير من الألفاظ لا يجوز فيه إقامة الأصل مقام الفرع . ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله ما أكرمه معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الّذي زعموا أنه هو الأصل . الحجة الثالثة : لو كان الأمر كما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفا فكان يجب جواز أن يقال : يا اللهم . بل كان يجب أن يكون ذلك لازما في قوله يا اللّه اغفر لي . وجوابه : أنه يجوز عندنا يا اللهم بدليل الشعر الّذي رويناه . وقول البصريين إن هذا الشعر غير معروف . فحاصله يرجع إلى تكذيب النقل . ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من النحو واللغة سليما عن الطعن . وأما قوله كان يلزم أن يكون ذكر النداء لازما . قلنا إن ذكر حرف النداء غير لازم البتة في شيء من المواضع . قال تعالى : « يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا » « 1 »
--> ( 1 ) جزء من الآية 29 من سورة يوسف .